ابن بسام
208
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
اطمأنّ به مجلس لا يزال يثني ، والأسماع إليه تصغي ، حتى يجعل المحبّة فريضة دين ، ويمكّن للقول من الأنفس أيّ تمكين ؛ ثم تفرّد في خلال ذلك من رشد الطرائق ، وشرف الخلائق ، وعلوّ الهمم ، والتطبّع بالكرم ، بما يقضي أن للسيادة فيه أسرارا [ 1 ] ستظهرها الأقدار ، وينطق بها الليل والنهار ، والربّ تعالى يتمّ عليه موادّ نعمه ، ويوفي به على مطالع هممه . وله من أخرى : وردني كتابك على حين كانت الأشواق تتوكّفه ، والأماني تتشوّفه ، فأبهجني مطلعه ، ولطف مني موقعه ، وأجلت فيه ناظري فاجتليت لسان الودّ يبوح بسريرة الصّفاء ، ويعرب بحقيقة الوفاء ، وعاينت نجيّ المقة كيف يساقي كأس المحبّة صرفا ، ويهزّ بألطاف الصلة عطفا ، للّه هو من كتاب أحضر وفد الأنس عندي ، وجدّد الجذل كعهدي ، ورفع للإطراب ألويتي ، وعطّر بطيب [ 2 ] الشمائل أنديتي ، وبنفسي مهديه ، وخاطر تلطّف في معانيه ، وراع برائعة أغراضه ومباديه ، وإذ لا تسعف الليالي بتلاق يشفي ، فالتناجي بمثله يتعلّل ويكفي ؛ لا زالت أسباب مواصلتك لي مؤكّدة ، ورسوم ملاطفتك عندي مجدّدة . ورأيت من ذلك الفاضل سيرا [ 3 ] تنتظر درج العلا أن يرتقيها ، / وتتشوّف إليه رتب المجد أن يعتليها ، وكأني [ 4 ] به قد أجنته الأماني ثمارها ، وزفّت إليه السيادة أبكارها ، وقاه اللّه العيون ، وحقّق فيه الظنون ، فما أنبل قدره ، وأكمل سروه ! ! . وله من أخرى : إذا نجم الفضل - [ أعزّك اللّه ] - من المعادن الشريفة ، في المناصب المنيفة ، ثم تحلّى بحلية الآداب ، ولم يتّكل في العلا على بنية الأحساب ، فلا غرو أن يكثر خطّابه ، لأن تعلق [ 5 ] أسبابه ، ويتنافس في عرفانه ، ليحصل من معارفه وخلّانه ؛ وأنت - يبقيك اللّه - ذلك الضارب في الشّرف بأرسخ عرق ، الفائت في الفضل كلّ ذي سبق ، تعرب عن ذلك الأخبار السائرة ، وتنمّ عليك به الأنباء العاطرة ، لا سيّما بأوصاف فلان ، لعلمه بحرصي على ذلك الأفق لا يزال يهدي إليّ أخباره فيخصّك بينهم من
--> [ 1 ] ط د : أن السيادة أسرار . [ 2 ] ط د س : بتلك . [ 3 ] ط د س : سرا . [ 4 ] ط س د : وكأن . [ 5 ] ط د س : لتعلق .